السفير حلمي ل " مصر الآن ":احتمالات تجدد المواجهة الأمريكية مع إيران والتحفظ الخليجي على خيار الحرب
قال السفير عمرو حلمي مساعد وزير الخارجية السابق في تصريح ل " مصر الآن "إنه وفي ظل التصريحات الأمريكية والإسرائيلية المتلاحقة خلال الساعات الأخيرة، وما تبعها من تسريبات إعلامية وتحليلات صادرة عن أبرز مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية، تبدو احتمالات تجدد العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أكثر ترجيحاً من أي وقت مضى، خاصة مع تآكل فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة، وتصاعد الاقتناع داخل دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب بأن سياسة “الضغط المحدود” لم تعد كافية لاحتواء القدرات الإيرانية النووية والصاروخية والإقليمية. وفي المقابل، تتزايد المؤشرات على أن المنطقة بأسرها دخلت مرحلة من التوتر الفائق التي تجعل أي خطأ في الحسابات سبباً لانفجار إقليمي واسع يصعب احتواء تداعياته.
وأضاف حلمي أن الرئيس الأمريكي ترامب عاد خلال الأيام الماضية إلى استخدام لغة شديدة الحدة تجاه طهران، ملوحاً بأن البديل عن الاتفاق سيكون “ضربة ساحقة”، وهي تعبيرات لم تعد تُقرأ باعتبارها مجرد أدوات ضغط تفاوضي، بل كجزء من عملية تهيئة سياسية ونفسية لاحتمال العودة إلى الخيار العسكري. كما تحدثت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية عن رفع مستويات الجاهزية العسكرية، وتحريك أصول بحرية وجوية إضافية، إلى جانب تنسيق عملياتي متزايد بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي في إطار التحضير لعمليات عسكرية مشتركة ضد إيران.
وقد جاء تصريح الرئيس الأمريكي الأخير ليعكس بوضوح حجم التوتر القائم وحدود التوازنات الدقيقة التي تحكم الموقف الأمريكي والخليجي في آن واحد. فقد أعلن الرئيس الأميركي أنه تلقى طلباً مباشراً من قادة كل من قطر والسعودية والإمارات، يدعوه إلى التريث وعدم تنفيذ الهجوم العسكري الذي كان مقرراً ضد إيران، في ضوء وجود مفاوضات جادة قد تفضي إلى اتفاق جديد يضمن عدم امتلاك طهران للسلاح النووي. كما أكد أنه، رغم قراره تأجيل الضربة العسكرية احتراماً لطلب القادة الخليجيين، أصدر تعليمات واضحة للجيش الأمريكي بالبقاء في حالة استعداد كامل لتنفيذ “هجوم واسع النطاق” ضد إيران في أي لحظة إذا فشلت المفاوضات.
وقال مساعد وزير الخارجية السابق يكشف هذا التطور عن بروز موقف خليجي متحفظ تجاه أي اندفاع أمريكي أو إسرائيلي نحو الحرب، انطلاقاً من إدراك متزايد داخل الدول الخليجية بأن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية، بل ستتحول سريعاً إلى صراع إقليمي يمتد إلى الخليج العربي ومضيق هرمز ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية. كما تدرك هذه الدول أن طهران قد تلجأ، في حال تعرضها لضربات واسعة، إلى استراتيجية “توسيع مسرح العمليات” عبر مواصله استهداف منشآت الطاقة الخليجية، والاستمرار في تهديد الملاحة الدولية، و تفعيل شبكاتها الإقليمية في أكثر من ساحة. ولهذا باتت الأولوية القصوى بالنسبة لدول الخليج تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وحماية مسارات التنمية الاقتصادية العملاقة، وليس الانخراط في صراعات مفتوحة ذات كلفة استراتيجية واقتصادية هائلة. ومن هنا يمكن فهم الحذر الخليجي الراهن، لا باعتباره تعبيراً عن تغير في طبيعة الخلافات مع إيران، وإنما باعتباره انعكاساً لإدراك استراتيجي عميق بأن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز بكثير كلفة استمرار التوتر تحت السيطرة.
وأوضحت إنه لقد شكلت الهجمات الإيرانية السابقة التي استهدفت منشآت الطاقة الخليجية نقطة تحول استراتيجية مهمة في التفكير الخليجي، إذ أظهرت أن أي تصعيد مع إيران يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على العمق الاقتصادي لدول المنطقة. ومن هنا يمكن فهم سبب الحذر الخليجي الحالي، فهذه الدول تدرك أن كلفة الحرب الشاملة قد تكون أكبر بكثير من كلفة استمرار التوتر تحت السيطرة.
الأخطر في المشهد الراهن أن التحول لا يقتصر على التصعيد الخطابي، بل يمتد إلى تغير تدريجي في طبيعة التفكير الاستراتيجي الأمريكي–الإسرائيلي تجاه إيران. فداخل دوائر صنع القرار في تل أبيب يتنامى الاعتقاد بأن المواجهات السابقة، رغم ضخامتها، لم تنجح في شل القدرات الإيرانية بصورة حاسمة، وأن طهران ما زالت تحتفظ بجانب هام من إمكاناتها النووية وبنيتها الصاروخية، فضلاً عن قدرتها على إعادة إنتاج قوتها العسكرية. ولهذا تتزايد الأصوات داخل الحكومه الاسرائيليه الداعية إلى الانتقال من سياسة “الردع بالضربات المحدودة” إلى استراتيجية تقوم على استهداف أوسع للبنية التحتية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، بما يضمن إضعاف قدرة طهران على إعادة بناء قوتها مستقبلاً.
وقال في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية مقتنعة أيضاً بأن إيران تستثمر فترات التهدئة لإعادة ترميم بنيتها العسكرية، وتحسين قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، واستعادة شبكات نفوذها الإقليمي. ومن ثم تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معضلة استراتيجية معقدة: فعدم التحرك يمنح طهران فرصة لاستعادة التوازن، بينما قد يؤدي التحرك العسكري إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.
ومن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين الاستراتيجيين الغربيين باتوا يتحدثون عن أن أي جولة عسكرية مقبلة قد لا تكون مجرد ضربات محدودة، بل ربما تتجه نحو استهداف أوسع للبنية التحتية الإيرانية، بما يشمل منشآت الطاقة والموانئ وشبكات الاتصالات ومراكز القيادة والسيطرة، في إطار محاولة لإضعاف قدرة الدولة الإيرانية على إدارة الصراع لفترة طويلة. بل إن بعض التقديرات الإسرائيلية تذهب إلى أن الحرب المقبلة، يجب أن تكون “حرب إنهاك شاملة” وليست مجرد حملة ردع مؤقتة.
وفي المقابل، تبدو إيران نفسها أكثر استعداداً لجولة جديدة مقارنة بالمراحل السابقة. فالتجربة الأخيرة عززت داخل المؤسسة الإيرانية الاقتناع بأن المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت صراعاً وجودياً طويل الأمد، وليس مجرد أزمة قابلة للاحتواء الدبلوماسي. ولهذا كثفت طهران خلال الأسابيع الأخيرة مناوراتها السياسية والعسكرية، كما حرصت على إبقاء تهديد إغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة حاضراً بقوة في خطابها السياسي والعسكري.
كما أن الحسابات الداخلية لكل من واشنطن وتل أبيب تلعب دوراً مهماً في رفع احتمالات التصعيد. فالحكومة الإسرائيلية تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإظهار الحزم تجاه إيران، بينما يسعى الرئيس ترامب إلى تقديم نفسه باعتباره الرئيس القادر على “إعادة فرض الردع الأمريكي” بعد سنوات من التردد الاستراتيجي. ومن ثم فإن اللجوء إلى القوة قد يتحول إلى أداة سياسية داخلية بقدر ما هو خيار استراتيجي خارجي.
وفي المحصلة، فإن المنطقة تقف حالياً على حافة مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الردع والهيبة وإعادة رسم موازين القوى. وتؤكد المؤشرات الحالية، بلا شك، أن احتمالات تجدد العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل أسابيع، وأن الشرق الأوسط قد يكون مقبلاً على جولة جديدة من الصراع ستكون أكثر تعقيداً واتساعاً من كل ما سبقها، في وقت تحاول فيه القوى الخليجية الرئيسية منع الانزلاق إلى مواجهة قد تهدد الاستقرار الإقليمي بأسره لعقود قادمة٠




.jpg)

